لم يكن مصطفى وهبي التل (1899 - 1949)، الذي عرفه الأردنيون باسم "عرار"، مجرد شاعر يكتب البيوت لتُلقى في المحافل، بل كان حالة وطنية وإنسانية فريدة، صاغت جزءاً كبيراً من وجدان الدولة الأردنية الحديثة وهويتها الثقافية. لُقّب بـ "شاعر الأردن" عن جدارة، إذ تحولت قصائده إلى مرآة تعكس تفاصيل الأرض، وهموم الناس، ونبض الحياة اليومية للبسطاء.
الهوية والنشأة: توليفة التمرد والأصالة
ولد عرار في مدينة إربد شمالي الأردن، وعاش في فترة تاريخية حرجة شهدت مخاض تأسيس إمارة شرق الأردن. تلقى تعليمه بين الأردن وسوريا ولبنان، وعمل في سلك التعليم والقضاء والإدارة الحكومية. لكن روحه الحرة، المنحازة دوماً للحق والعدالة الاجتماعيين، جعلته في صدام مستمر مع السلطة والتقليد؛ فتعرض للنفي والسجن أكثر من مرة، مما زاد من قربه من الطبقات الكادحة والمهمشة.
المنجز الإبداعي: ديوان "عشيات وادي اليابس"
يُعد ديوانه الوحيد "عشيات وادي اليابس" أحد أعمدة الشعر العربي الحديث في الأردن. تميز أسلوب عرار بقدرته العجيبة على المزج بين الفصحى المتمكنة والروح الشعبية الأردنية؛ فكان يدمج المفردات الدارجة وأسماء القرى والأودية الأردنية (مثل وادي اليابس، الحصن، الصريح، عجلون) في نسيج شعري محكم، مما جعل شعره قريباً من قلوب الفلاحين والمثقفين على حد سواء.
من أبرز سمات مشروعه الثقافي
الانحياز للمهمشين: دافع عن "الغجر" والفقراء واعتبرهم جزءاً أصيلاً من نسيج المجتمع.
القومية والوطنية: ارتبط شعره بقضايا الأمة العربية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.
أنسنة المكان: حوّل الجغرافيا الأردنية من مجرد تضاريس إلى شخوص تنبض بالحياة.
الإرث الإنساني والثقافي
رحل عرار مبكراً في عام 1949، لكنه ترك خلفه إرثاً لا يشيخ. تحول بيته في مدينة إربد إلى "بيت عرار الثقافي"، ليظل مركزاً للتنوير وملتقى للأدباء والمثقفين. في عام 2022، اختيرت إربد عاصمة للثقافة العربية، وكان اسم عرار حاضرًا كرمز لهذه العراقة، كما تم اختياره من قبل المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (ألكسو) كرمز ثقافي عربي.
خاتمة:
إن استحضار سيرة "عرار" اليوم ليس مجرد احتفاء بالماضي، بل هو استذكار للنموذج الحقيقي للمثقف المشتبك مع قضايا مجتمعه، والشاهد الحي على ولادة وطن بُني بسواعد أبنائه وحناجر شعرائه.
