لا يمكن لأي باحث في الوجدان الثقافي الأردني أن يمر عبر تفاصيل الهوية والأرض، دون أن يتوقف طويلاً أمام قامة أدبية استثنائية شكلت بوعيها وتمردها حالة فريدة في الشعر العربي المعاصر. إنه مصطفى وهبي التل، المعروف بلقبه الأثير "عرار"، الشاعر الذي لم يكتب الشعر من أبراج عاجية، بل عجنه بطين القرى، ونفَس البسطاء، ورائحة الشيح والقيصوم في جبال الأردن وسهوله.
الروح المتمردة والانحياز للإنسان
ولد عرار في مدينة إربد عام 1899، وعاش حياة عاصفة تميزت بالترحال والمواقف السياسية والاجتماعية الجريئة. لم يكن مجرد ناظم للقصيد، بل كان مثقفاً عضوياً ملتحماً بقضايا مجتمعه وأمته.
أكثر ما ميز تجربة "عرار" الإنسانية والأدبية هو انحيازه المطلق للمهمشين والفقراء. لقد كان صوتاً لمن لا صوت لهم، ووجد في مجالس "الغجر" (النَوَر) على أطراف المدن مساحة للحرية والانعتاق من زيف القيود المجتمعية والطبقية، فخلّد حياتهم في ديوانه الشهير "عشيّات وادي اليابس"، معتبراً أن النقاء الإنساني يكمن في البساطة والحرية، لا في الألقاب والمناصب.
الخصوصية اللغوية والشعرية
امتلك عرار قدرة فذة على تطويع اللغة العربية؛ فقصائده تجمع بين جزالة الفصحى وقوتها، وبين عفوية وبساطة اللهجة المحكية الأردنية وتفاصيل الحياة اليومية. حين تقرأ لعرار، تشعر أنك تسير في أزقة إربد القديمة، أو تجلس في مقاهي عمان في بدايات القرن العشرين، أو تستمع إلى حوارات الحصادين في مواسم الخير.
من شواهد حبه وعشقه للأرض قوله: "يا أُردنيات إنْ أوغلتُ في حُزني فكلُّ صرخةِ حُرٍّ أصلُها وطني وإنْ تغرّبتُ فالأردنُّ في كبدي عهدٌ أعيشُ بهِ، والعهدُ يملِكُني"
الإرث والتأثير
رحل عرار جسداً عام 1949، لكنه بقي في الذاكرة الجمعية الأردنية رمزاً للشاعر الثائر والوطني الغيور. لقد أسس لمدرسة شعرية أردنية ملتصقة بالأرض والوطن، وأثبت أن الثقافة الحقيقية هي تلك التي تنبع من هموم الناس وتطلعاتهم.
تحول بيته القديم في إربد اليوم إلى صرح ثقافي يشهد على تاريخ رجل لم يساوم يوماً على مبادئه، وظل وفياً لتراب الأردن وإنسانه حتى الرمق الأخير.
إضاءة للقارئ:
إذا أردت أن تفهم روح الأردن، وجذور حركته الثقافية، ابدأ من قراءة "عشيّات وادي اليابس".. هناك ستجد التاريخ مكثفاً في قصيدة، والوطن مختصراً في جغرافيا الكلمة.
هل ترغب في أن يكون المقال القادم عن رائد الرواية الأردنية المعاصرة "تيسير سبول"، أم ننتقل إلى قامة نسائية تركت أثراً كبيراً في الأدب الأردني؟
