في مشهد ثقافي حمل الكثير من الحنين إلى زمن الرسائل الورقية، أقام منتدى الجياد للثقافة والتنمية بالتعاون مع جمعية أضواء الشرق السياحية وجمعية نهر اليرموك للتنمية والثقافة، مساء الأربعاء، في مقر نادي الفنانين بمدينة إربد، أمسية أدبية بعنوان "رسائل بخط اليد"، استذكارًا لزمن جميل كانت فيه الرسالة الورقية سفيرًا للمحبة، ووعاءً للمشاعر الصادقة، ووسيلةً للتواصل الإنساني العميق قبل أن تختزل التكنولوجيا الكلمات في رسائل إلكترونية سريعة تفتقد في كثير من الأحيان دفء الحبر ورائحة الورق.
وأدارت الأمسية الكاتبة سحر مغايرة، التي استهلت اللقاء بكلمة رحبت فيها بالحضور، مؤكدة أن الرسائل الورقية ليست مجرد وسيلة تواصل مضت مع الزمن، بل هي جزء أصيل من الذاكرة الثقافية والاجتماعية، حملت في طياتها قصص الحب والاشتياق، ورسائل الأهل والأصدقاء، والمواقف الوطنية والإنسانية التي ما زالت شاهدة على مراحل مهمة من تاريخ الإنسان العربي.
وأضافت أن استذكار الرسائل المكتوبة بخط اليد هو استذكار لقيم الصدق والصبر والانتظار، وهي قيم صنعت علاقة مختلفة بين الإنسان والكلمة، حيث كان الكاتب يختار عباراته بعناية، ويمنحها جزءًا من روحه قبل أن يودعها في ظرف يحمل أمنياته إلى الطرف الآخر.
وشارك في الأمسية الأديب سامر المعاني، الذي قدم نصوصًا استحضرت روح الرسائل القديمة، مستعرضًا جماليات اللغة التي كانت تسكنها، وكيف كانت الرسالة تتحول إلى وثيقة وجدانية تحفظ تفاصيل الحياة اليومية، وتبقى شاهدة على العلاقات الإنسانية مهما طال الزمن. وأشار إلى أن الرسائل الورقية كانت تمنح الكلمة قيمة مختلفة، لأنها كانت تُكتب بتأنٍ، وتُقرأ بشوق، وتُحفظ بعناية بين صفحات الكتب أو في صناديق الذكريات.
كما شاركت القاصة روند الكفارنة بمجموعة من القراءات السردية التي تناولت الرسائل بوصفها وسيلة لكشف المشاعر الإنسانية، وإعادة بناء الذاكرة، حيث مزجت بين الواقع والخيال في نصوص حملت أبعادًا إنسانية مؤثرة، وأظهرت قدرة الرسالة على تجاوز حدود الزمن لتبقى حاضرة في الوجدان.
وفي الجانب الشعري، ألقى الشاعر إبراهيم الطيار مجموعة من القصائد التي احتفت بالمراسلات القديمة، وجسدت الشوق والحنين والوفاء، مستعيدًا صورًا شعرية تنتمي إلى زمن كان فيه انتظار ساعي البريد حدثًا يوميًا يحمل الفرح والقلق والأمل في آن واحد.
أما الشاعر سلطان الخضور فقد قدم نصوصًا نثرية امتزج فيها البعد الوطني بالوجداني، مؤكدًا أن الكلمة المكتوبة بخط اليد كانت ولا تزال أكثر قدرة على الوصول إلى القلب، لأنها تحمل بصمة صاحبها وإحساسه الصادق، وهو ما يجعلها مختلفة عن وسائل التواصل الحديثة مهما تطورت.
وشارك الكاتب حسن أبو هنية برسائل أدبية تناول فيها التحولات التي طرأت على وسائل الاتصال، مبينًا أن التطور التقني منح الإنسان سرعة في التواصل، لكنه في المقابل سلب الكثير من التفاصيل الإنسانية التي كانت ترافق الرسائل الورقية، مثل انتظار الرد، والاحتفاظ بالرسائل، وتأمل الخطوط، واستحضار شخصية الكاتب من خلال أسلوبه وخط يده.
وشهدت الأمسية تفاعلًا لافتًا من الحضور، الذين شاركوا بمداخلات استعادوا خلالها ذكرياتهم مع الرسائل الورقية، ورووا مواقف شخصية بقيت محفورة في ذاكرتهم، مؤكدين أن الرسالة المكتوبة بخط اليد كانت تحمل قيمة عاطفية لا يمكن تعويضها، وأنها تمثل جزءًا من التراث الاجتماعي والثقافي الذي يستحق أن يُستعاد في مثل هذه الفعاليات.
وتأتي هذه الأمسية ضمن سلسلة الفعاليات التي تنظمها المؤسسات الثقافية الثلاث، والتي تهدف إلى إحياء القيم الثقافية والإنسانية، وإعادة الاعتبار للكتاب والكلمة والإبداع، من خلال لقاءات تجمع الأدباء والشعراء والكتاب والجمهور في فضاء حواري يعزز الوعي الثقافي، ويمنح المبدعين فرصة لتقديم نتاجهم الأدبي في أجواء تفاعلية.
وأكد منظمو الأمسية أن اختيار عنوان "رسائل بخط اليد" لم يكن مجرد استذكار لوسيلة تواصل قديمة، بل كان دعوة للتأمل في التحولات التي شهدها المجتمع، وإبراز أهمية المحافظة على القيم الإنسانية التي جسدتها الرسائل الورقية، بما تحمله من صدق وعفوية وعمق في التعبير، وهي قيم لا ينبغي أن تذوب في زحام الحياة الرقمية.
واختتمت الأمسية وسط أجواء من الألفة والمحبة، حيث تبادل المشاركون والحضور الحديث حول أهمية استمرار مثل هذه اللقاءات الأدبية التي تعيد الاعتبار للكلمة الجميلة، وتوثق الذاكرة الثقافية، وتؤكد أن الأدب يظل قادرًا على جمع الناس حول المعاني النبيلة، وأن الرسائل المكتوبة بخط اليد ستبقى رمزًا خالدًا للمحبة والوفاء، مهما تغيرت وسائل التواصل وتبدلت الأزمنة.


.jpeg)
.jpeg)
.jpeg)
.jpeg)

.jpeg)
.jpeg)

.jpeg)
.jpeg)
.jpeg)

.jpeg)
.jpeg)
.jpeg)
.jpeg)

.jpeg)
.jpeg)

